كلمة العدد
ما بين الطفولة والبطولة
محمود أبو كمال
رئيس التحرير
لا يتسع المجال من خلال مقال واحد أن نقوم بتلخيص واقع الأطفال الفلسطينيين الذين عاشوا تجربة الاعتقال لدى سلطات الاحتلال الاسرائيلي، أو حتى الذين اقتصرت تجربتهم على التوقيف حتى وإن كانت لساعات قليلة، وما يترتب على ذلك من آثار نفسية لا نعلم إلى متى سترافق ذلك الطفل صاحب التجربة لوقت من عمره.
ليتنا نتمكن من توثيق كل تلك التجارب، فلكل منها خصوصيتها التي من الممكن ان تتشارك وتتقاطع مع سواها في بعض الأمور، ولكنها حتما ستنفرد بفردية صاحبها والمعنى الذي أعطاه لها بعينه هو لا بعيون الآخرين حتى وإن كانوا أطفالا مثله وعايشوا نفس التجربة.
تستوقفني مصطلحات البطولة والشهامة التي يطلقها الكثير على طفل لم يبلغ الرابعة أو الخامسة عشر من عمره فور الافراج عنه من سجون القمع الإسرائيلية، ويقلقني أيما قلق إن كنا بوصفهم أبطالا نساعدهم في تجاوز تلك الصدمة التي مروا بها أم نساعدهم في إخفاء أو تأخير آثارها عليهم؟ هل كلمة بطل كفيلة في أن يفصحوا عن وجعهم، خوفهم، قلقهم، والخوف من تكرار التجربة الصادمة التي مروا بها بما حملت من ألم، أم أنها ستقف عائقا أمام الإفصاح عن كل ما سلف وسواه فليس من شيم الأبطال الحديث عن الخوف والألم. والتساؤل الأهم إلى كم من الوقت سنبقى ننعتهم بأبطال. ما هو حجم التناقض الذي نضع فيه ذلك الطفل الذي نزفه بطلا ونعزز ذلك في كل موقف وفي كل حديث وخاصة خلال الأسبوع الأول أو ربما لغاية الشهر الأول من الافراج عنه، في حين أن الآثار الصادمة تسيطر عليه وأعراضها التي أشارت إليها الأبحاث ترافقه وتقض مضجعه وهو يحتفظ بذلك لنفسه وغالبا لا يجرؤ على مشاركة أحد به حتى لا تهتز صورة البطل في عيون المحيطين.
كيف يشتكي البطل من خوفه، أو الكوابيس التي تقتحم منامه، أو لربما – كما حدث مع البعض – التبول اللاإرادي أثناء نومه، كيف يشكو وكيف يدرك أن ما يحدث معه إنما هي ردود فعل طبيعية ناتجة عن ظروف غير طبيعية مر بها.
رفقا بأطفالنا فهم لا زالوا أطفالا، ولنقدم لهم الدعم ولنعزز شجاعتهم وقدرتهم على تجاوز ما مروا به من ظروف صعبة دون المبالغة في ذلك، فلنحرص على ألا نخذلهم فهم أبطال حقيقيون دون أن نتنكر لطفولتهم وما شابها من ظروف قاسية سواء أثناء الاعتقال أو فور الافراج عنهم أو بعدها بأسابيع وأشهر.
تناولنا في هذا العدد مقالين اثنين حول الأبعاد النفسية للاعتقالات بحق الأطفال الفلسطينيين، وآخر حول المحاكم العسكرية الإسرائيلية يتناول إحصاءات لأعداد وظروف اعتقال الأطفال الفلسطينيين، كمساهمة لفهم أعمق لقضية الأطفال الفلسطينيين الذين خاضوا تجربة الاعتقال في السجون الإسرائيلية.
كما يتناول هذا العدد وهو الأول إلكترونياً لمجلة المدرسة مجموعة من المقالات قام بإعدادها مجموعة من المختصين تصب في عدد من القضايا التربوية والاجتماعية التي ارتأينا أنها محل اهتمام لدى المختصين المهنيين والأهالي على حد سواء، مع بقاء دعوتنا قائمة للراغبين في مشاركة أفكارهم، مقالاتهم عبر هذا المنبر بالتواصل معنا عبر العناوين المدرجة في هذا العدد.
