طفلي من ذوي الإعاقة

إعدد مركز زهور الأمل

الأطفال من ذوي الإعاقة هم أطفال أكثر عرضة لخطورة متزايدة لمشاكل جسدية، تطورية أو عاطفية مستمرة، تتطلب عناية تتعدى تلك العناية المطلوبة للأطفال العاديين بشكل عام. تحت هذا التعريف هناك أطفال مع شلل دماغي، توحد؛ يشمل متلازمة أسبرغر، متلازمة داون، تأخر عقلي بسيط أو شديد، اضطراب الانتباه والتركيز وصعوبات التعلم، وأطفال ولدوا مع متلازمة الكحول الجنينية، وذوي متلازمات كثيرة ومتنوعة. كما أن هذا التعريف يشمل أيضا أطفال غير مشخصين كذوي اضطرابات معينة، إلا أنهم ولدوا أو كبروا في ظروف تجعلهم عرضة لمشاكل تطورية.

أهالي الأطفال ذوي الإعاقة يواجهون ضغوطات أكبر من تلك التي يواجهها أهالي الأطفال السليمين، وكما قالت إحدى الأمهات: “تربية ابني تعادل تربية 70 طفل عادي”. ومفهوم بأن هؤلاء الوالدين ليسوا بعيدين أيضا من الأعباء والضغوطات العادية المنوعة في البيت والعائلة. هذه الضغوطات المزمنة تضع الوالدين في حالة دائمة من خطر التآكل الجسدي والنفسي، حيث الاكتئاب والقلق، وآلام الظهر، ومحدودية الحركة وسلسلة طويلة من المشاكل الأخرى. تأثير الضغوطات المزمنة على صحتهم النفسية والجسدية يظهر في الأساس على الأمهات اللواتي يتحملن على الأغلب معظم عبئ العناية بالأطفال ذوي الإعاقة.

لا يقتصر تأثير الضغوطات المزمنة لدى الوالدين على صحتهم النفسية والجسدية فقط، بل أيضا على جودة العلاقة بين الوالدين وأبنائهم (بما في ذلك الأبناء السليمين) وعلى قدرة الوالدين على الاستجابة بشكل كاف لاحتياجات أبنائهم.

خليط من المتعة والأسف

والد طفل من ذوي الإعاقة يقول: تعتبر رحلة حياة تختلط فيها مشاعر صعبة ومبهجة. كما يصف الوالدان الحالة بالصعود والهبوط ويشبهونها أحيانا بالقطار الهوائي.

بالإضافة إلى الأسف وكسر القلب، يتحدث الوالدان عن مكافئات وعن بناء توجهات حياتية ايجابية في أعقاب تجربة تربية أطفال. قسم من الوالدين قالوا إن الطفل علمهم أن يكونوا أناس صبورين، إنسانيين وكرماء وعن تجارب نمو تبادلي مع الطفل، حيث يتطور كشريك فعال في التعامل مع صعوبات وانفعالات وحوافز الأطفال الشخصية.

إنهاك جسدي ونفسي

ينبع من الأعباء اليومية الكبيرة المنوعة المتعلقة بتربية الطفل. أعباء عامة، علاجات طبية خاصة تتطلب الوقت وموارد مالية ونفسية، والتعامل مع مؤسسات بلدية، حكومية وغيرها، عدا عن التعامل مع صعوبات وتحديات الطفل والتي تؤدي أحيانا كثيرة إلى إنهاك نفسي وجسدي. الكثير من الوالدين يتحدثون عن أنهم يصلون في نهاية اليوم إلى البيت منهكين، غير قادرين على التنفس وليس بإمكانهم الاهتمام بأمورهم.

الاهتمام بأمور العائلة

بما في ذلك تغير في أسلوب الوالدية، بحيث يتناسب مع الطفل ذي الإعاقة. والدي الأطفال ذوي الإعاقة يجدون أنفسهم يوجهون كل جهودهم لهذا الطفل على حساب أنفسهم وعلاقتهم الزوجية وعلى حساب الأطفال الآخرين في العائلة. في أوساط آباء الأطفال ذوي الإعاقة نسبة الطلاق مرتفعة عن النسبة العامة، وكذلك إحساس بالنقص في العلاقات العادية بين الأخوة.

وصمة وانتقاد اجتماعي

والدي الأطفال ذوي الاعاقة يشعرون بين الفينة والأخرى بالعزلة الاجتماعية جزء منها ينبع بالأساس من استثمار جميع الجهود في تربية الطفل. بالإضافة إلى ذلك، فهم يتحدثون عن تعرض متكرر للانتقاد من البيئة المحيطة. وتأتي الانتقادات من اتجاهات وسياقات كثيرة. على سبيل المثال، أناس يتهمون الوالدين بأنهم السبب في حالة التوحد أو التأخر العقلي لدى الطفل (“أكيد أن هذا جاء من الوالدين”)، أو ينتقدون الوالدين على سلوكهم مع الطفل (“لماذا يأتون مع طفل عمره 5 سنوات إلى حفلة كبار”)، “من فضلك سيطري على صراخ ابنك”)، والاختصاصيون الذين ينتقدون الوالدين على سلوكهم مع المؤسسات التربوية، ومؤسسات الدولة والجهات الطبية (“هذه الأم هستيرية”) وما إلى ذلك. هذا النوع من الانتقادات وغيرها تدفع الوالدين إلى الانغلاق، والامتناع عن الخروج مع الطفل إلى أماكن عامة، وأحيانا تجنب صحبة أهالي لأولاد عاديين.

أمل في اخفاء اليأس

الكثير من الوالدين تعلموا بناء توقعات واقعية بخصوص مستقبل ابنهم، إلا أنهم منشغلون بأسئلة بخصوص المستقبل: ماذا سيحدث؟ هل بإمكان الطفل أن يصبح بالغ مستقل؟ هل يمكنه العمل؟ إقامة علاقات اجتماعية؟ هل سيهتم المجتمع بأمره؟ إنهم يتطلعون إلى مستقبل أفضل لطفلهم. يأملون أن تكون الأمور أسهل عليه عندما يكبر، أن يكون لديه إطار حياة آمنة وداعمة. هناك والدين يشعرون بأن عليهم أن يعيشوا طالما أن ابنهم على قيد الحياة، فما من أحد يعرفه مثلهم. آمال ومخاوف تجاه المستقبل راسخة بشكل حتمي في تفكير الوالدين.

باحثون كثر فحصوا إذا ما كانت هناك ميزات متشابهة في ردود فعل الوالدين على تشخيص ابنهم كشخص يعاني من إعاقات عقلية، تطورية، نمائية، أو صحية. نتائج البحث أدت إلى تشخيص ثلاث ميزات:

في المرحلة الأولى – صدمة، إنكار وإحباط، تأتي أحيانا هذه المرحلة بعد فترة ليست قصيرة يشعر فيها الوالدين بأن شيئا ليس على ما يرام، حيث يتأرجحون بين المعرفة والإنكار، أو يتعلقون بأمل بأن المشاكل سوف تمر، وأنها سوف تُحل، وأنه سيتبين بأن ما يشعرون به غير صحيح. وعندما يأتي التشخيص، قَد يشعروا بالذعر وبأن السماء سقطت عليهم. وردة فعل الوالدين في هذه المرحلة تتأثر كثيرا بالطريقة التي يكشف فيها الأخصائيون الحقائق والخيارات لهم وبالموارد الأولية المتوفرة لديهم في التعامل مع الضغط والقلق.

في المرحلة الثانية – الإحساس بالذنب، الغضب، والخجل. في هذه المرحلة، من شأن الوالدين أن يسألوا أنفسهم “لماذا حدث هذا لي؟” “لماذا أستحق هذا” “لماذا يجب أن أواجه هذا الأمر”، “لماذا لا تكون حياتي طبيعية وأولادي طبيعيين” وما إلى ذلك. قسم منهم يخجل من مشاكل أولاده وينغلق عن المحيط، وهناك من ينغلقون لأن رؤية أطفال سليمين آخرين تثير الغيرة لديهم.

في المرحلة الثالثة – مساومة، تقبل وتأقلم تدريجي لتحديات وصعوبات الحياة.

ماذا يساعد والدي الأطفال ذوي الإعاقة؟

والدي الأطفال ذوي الإعاقة مثقلين من أعباء ثقيلة جدا. وغالبا ما تعتبر هذه الضغوطات ذات تأثير سلبي على حياة الطفل والوالدين. ولكن، هناك آباء وأمهات (أقل قلق) الذين يشيرون إلى تغيرات ايجابية على حياتهم خلال التعامل مع طفل ذي إعاقة. وهذه الظاهرة تقود الباحثين والمعالجين إلى صياغة سؤال مثير للاهتمام:

ما هو الفرق بين والدين يجدون صعوبة في التأقلم وبين والدين يظهرون تأقلم جيد جدا مع هذه الظروف الصعبة.

المقاومة هي ميزة للأشخاص الذين يظهرون تأقلم ايجابي بالرغم من التجارب الصعبة جدا وحتى المأساوية، وعناصر المقاومة هي جميع تلك العناصر التي تساعد في التعامل بنجاح مع الضغوطات، وتخفف من حدة تأثيرها السلبي. وفهم هذه العناصر يمكنه أن يساعد الوالدين والمعالجين، لذا من المهم بمكان التعرف عليها. الباحثان الامريكيان بير وهيلمان (Hilman & Peer, 2014)، قدما مؤخراً دراسة مثيرة وشاملة لعناصر المنعة التي تحسن تعامل الوالدين مع أطفال حساسين، وبحثهما يضاف إلى مجموعة أبحاث أخرى حددت العناصر التالية:

أولا: أسلوب التعامل – تميز الأبحاث في التعامل مع الضغوطات بين أسلوبين رئيسيين هما

أ. تعامل يتمحور حول المشكلة

ب. تعامل يتمحور حول المشاعر

التعامل الذي يتمحور حول المشكلة يركز بالأساس على خطط وأهداف من شأنها تغيير الحالة وتساعد في تخفيف الأعباء المستقبلية. مثلا جمع المعرفة اللازمة، تجنيد مساعدة من أبناء العائلة، اختيار إطار تربوي ملائم، توزيع الأدوار بين الوالدين وما إلى ذلك. في حين أن التعامل المتمحور حول المشاعر يركز على تخفيف المشاعر الصعبة في الوقت الحاضر. على سبيل المثال، مشاركة أصدقاء مقربين في المشاعر الصعبة، تدخين المرغوانا، ممارسة اليوغا وما إلى ذلك. كل واحد من هاذين الأسلوبين يمكن أن يساعد في ظروف معينة، إلا أن معظم الأبحاث وجدت أن التعامل المتمحور حول المشكلة له علاقة أكثر بالمَنَعة والتأقلم الأفضل مع الضغوطات الناجمة عن ولادة أطفال مع إعاقة.

ثانيا: التفاؤل – التفاؤل هو ميول (بنسب شخصية) إلى توقع نتائج أفضل أثناء التعامل مع صعوبات. التفاؤل ليس التركيز على الجانب الايجابي فقط، ولا تجاهل الصعوبات والمشاعر الصعبة، بل هو الايمان والتطلع إلى الأفضل. التفاؤل مرتبط بالمشاعر الايجابية والدافعية للعمل من أجل الوصول إلى نتائج مُرضية. التفاؤل يؤثر على مَنَعة الوالدين بشكلين مختلفين: (1) من خلال مشاعر ايجابية على غرار الفرح، الاستمتاع، والاهتمام والحب. هذه المشاعر تساعد في توسيع التفكير وفرص العمل (التفكير الابداعي)، وفي توسيع الموارد الشخصية والاجتماعية للتعامل مع الحالة (2) من خلال التأثير على مشاعر وسلوك أطفالهم. فتفاؤل الوالدين يساعد أطفالهم (الأصحاء والمحدودين) في تطوير نظرة ايجابية ومشاعر ايجابية، ومن خلال ذلك يتأثر سلوك الأطفال وقدرتهم على التأقلم.

ثالثا: الدعم الاجتماعي – الاحتضان والدعم الاجتماعي من قبل الأصدقاء والعائلة تعتبر عنصر مهم جدا في التعامل الفعال مع تربية طفل مع إعاقة. والدعم الاجتماعي يعبر عنه من خلال الاستعداد للحديث والفضفضة وتخفيف التوتر، المشورة، والمساعدة الفعلية ولتطوير علاقات اجتماعية وعائلية. أبحاث عديدة وجدت بأن الدعم الاجتماعي له علاقة بتخفيف ضغط الوالدين أكثر من حجم المشكلة التي يعاني منها الطفل. بكلمات أخرى: عندما يكون الدعم الاجتماعي متوفر، يمكن التعامل بطرق أفضل مع إعاقات صعبة جدا. فالدعم الاجتماعي يساعد ليس فقط في تربية الطفل بل في الحفاظ على العلاقات بين الوالدين وقدرتهم على إقامة حياة عمل. من المهم وبإمكان أباء الاطفال ذوي الإعاقة أن يطوروا علاقات جيدة ومستقرة مع مجموعات رسمية (من المختصين ومجموعة دعم افتراضية أو ملموسة) وغير رسمية (أصدقاء وأقارب).

رابعا: الشعور بالسيطرة   يدور الحديث هنا عن إحساس السيطرة على الحياة. يُعتبر الإنسان صاحب سيطرة على حياته كلما نجح في التأثير ويؤمن بأنه قادر على التأثير على حياته، على حالته النفسية والجسدية وعلى الأحداث والنتائج. وتعتبر السيطرة عنصر حاسم في التعامل الفعال لوالدين لأطفال ذوي إعاقة. ويتأثر احساس السيطرة من قوتين رئيستين: (1) توجهات أساسية تجاه الذات، والعالم، وتجاه الأخرين والعلاقات: فالإنسان الذي يتحلى بتقدير ذاتي ايجابي ونظرة ثقة وفضول، يميل إلى الاحساس بالسيطرة أكثر على حياته، قياسا مع إنسان لا يعتمد على نفسه ولا يثق بالآخرين. (2) المعرفة اللازمة: كلما تعرف والدي الأطفال ذوي الاعاقة أكثر على المشاكل التي يواجهها طفلهم، وامكانيات العلاج والمساعدة، والتطورات المستقبلية المحتملة، هكذا يمكنهم تحقيق سيطرة أكبر على حياتهم. كما يقوم الانترنت بتوفير المعلومات الكثيرة عن أي مشكله ويعطي الوالدين الإمكانية من جمع المعلومات بسهولة وبسرعة. إلا أن وفرة المعلومات قد تربك الشخص، وإحدى التحديات الأساسية هي الإبحار بنجاح في عالم المعرفة المتوفرة والاستعانة بما هو ملائم منه.

هناك آباء يطورون هذه العناصر بشكل طبيعي وتلقائي، تقريبا دون الحاجة إلى مساعدة وتوجيه، ويشعرون أنهم يتدبرون أمورهم جيدا مع الضغوطات الناجمة عن تربية طفل مع إعاقة. آباء أخرون يمكنهم الاستعانة بمستشارة ومرافقة المساعدة المهنية، خصوصا في العلاجات النفسية. 

Hope Flowers